شعر | صرخة إلى النائمين "محمد محمود الزبيري"

شعر | صرخة إلى النائمين "محمد محمود الزبيري"

معين برس - منذ 5 سنوات

معين برس: شعر- أبو الأحرار محمد محمود الزبيري

ناشدتُكِ الإحساسَ يا أقلامُأتُزلزلُ الدنيا ونحن نيامُ

قم يا يراعُ إلى بلادِكَ نادِهاإن كان عندك للشعوب كلامُ

فلطالما أشعلتَ شعرَكَ حولَهاومن القوافي شُعلةٌ وضرامُ

لما أهبتَ بها تطارد نومهاضحكتْ عليك بجفنها الأحلامُ

وصرختَ في أسماعها فتحركتلكن كما يتحرك النوّامُ

تُخشى سيوفُ الظلم وهي كليلةٌوتُقدس الأصنامُ وهي حطامُ

وتذل أمتنا لفردٍ واحدٍلا تُستقاد لمثله الأنعامُ

نسدي له أموالنا ونفوسناويرى بأنا خائنون لئامُ

نبني له عرشاً يسود فيبتنيسجناً نُهانُ بظلّهِ ونُضامُ

تحنو الرؤوس له خشوعاً ظلّعاًوتنوءُ من أصفاده الأقدامُ

كم سبّحته ألسنٌ فتجرعتمنه مذاقَ الموت وهو زؤامُ

كم من أبٍ واسى الإمامَ بروحهِماتتْ جياعاً بعده الأيتامُ

يمتصُّ ثروةَ شعبهِ ويميتهُجوعاً، ليسمن (آلهُ) الأعلامُ

طعناتُهُ قدسيةٌ نزلت بها الـبركاتُ والآياتُ والأحكامُ!

عمَلُ الورى في رأيه كفرٌ ومايأتيه فهو شريعةٌ ونظامُ!


أبناءُ قحطان عبيدٌ بعد ماعبدتهم الزعماءُ والحكامُ

كانت سيوفُهمُ تؤدّبُ كل جبـّـارٍ بغير السيف ليس يقامُ

كانوا الأباةَ وكانت الدنيا لهموالملكُ والراياتُ والأعلامُ

نزلوا بيثربَ والعراقِ فشيدوامُلكاً كبيرَ الشأنِ ليس يُرامُ

وهمُ الأُلى اقتحموا على أسبانياأسوارَها فتحكموا وأقاموا

وهمُ بمعترك الحروبِ صوارمٌوهمُ لبنيان العروش دعامُ

كانوا بأعصاب العروبة ثورةًتُمحى الملوكُ بها وتُرمى الهامُ

وهمُ الأُلى البانون عرشَ أُمَيّةٍنهضَ الوليدُ بهم وعزَّ هشامُ

غضبوا على مروانَ فانقلبت به الـدنيا وثارت ضده الأيامُ

كانت سيوفُهم تضيءُ فتمنح الـتاريخ أفقاً ليس فيه ظلامُ

كانوا زماماً للخلافةِ، مُزِّقتْأوصالُه فتمزق الإسلامُ

قحطانُ أصلُ العُربِ، منذ تهاونوابحياتها، عاشوا وهم أيتامُ

لهمُ الجبالُ الراسياتُ وأنفُسٌمثل الجبالِ الراسياتِ عظامُ

أتراهمو صنعوا الذُّرى، أم أنّهاصنعتهمُ، أم أنّهم أتوامُ

وُلدوا عمالقةً محنطةً كماولدت فراعنة لها الأهرامُ

قَدِموا من التاريخ في جبهاتهممن آل حِمْيرَ غُرةٌ ووسامُ

يتساءلون أحمْيرٌ فوق الورىكالأمس، أم تلك الرؤى أوهامُ؟

ابنَ (السعيدة) إن فيها جنةًخضرا، نماها الدهر وهو غلامُ

أين القصورُ الشمُّ؟ أين بُناتُها الـأقيالُ أين ملوكُها الأعلامُ

أين البحار من السدود يُرى لهابين الشواهق زخرةٌ وزحامُ

أين السلالةُ من مَعِينَ وحمْيرٍهل أيقظوا الدنيا لهم، أم ناموا؟

هل سابقوا الأقطارَ في وثباتهاهل حلّقوا حولَ النجوم وحاموا؟


ماذا دهى قحطان؟ في لحظاتهمبؤسٌ، وفي كلماتهم آلامُ

جهلٌ وأمراضٌ وظلمٌ فادحٌومخافةٌ، ومجاعةٌ، وإمامُ

والناس بين مكبّلٍ في رِجلهِقيدٌ، وفي فمهِ البليغِ لِجامُ

أو خائفٍ لم يدرِ ما ينتابُهُمنهم، أسِجْنُ الدهرِ أم إعدامُ

والاجتماعُ جريمةٌ أزليةٌوالعلمُ إثمٌ والكلامُ حرامُ

والمرءُ يهربُ من أبيهِ وأمّهِوكأنَّ وصلَهما لهُ إجرامُ

والجيشُ يحتلُّ البلادَ وما لَهُفي غيرِ أكواخِ الضعيفِ مقامُ

يسطو وينهبُ ما يشاءُ كأنماهو للخليفةِ معوَلٌ هدّامُ

والشعب في ظل “السيوف”* ممزقُ الـأوصالِ مضطهدُ الجنابِ يضامُ

وعليهِ إمّا أن يغادرَ أرضَهُهرباً، وإلا فالحياةُ حِمامُ


نثروا بأنحاءِ البلادِ ودمّرواعمرانَها فكأنّهم ألغامُ

أكلوا لُبابَ الأرضِ واختصوا بهاوذوو الخصاصةِ واقفون صِيامُ

وكأنّهمْ هم أوجدوا الدنيا وفيأيديهمُ تتحركُ الأجرامُ

هبْ أنّهمْ خلقوا العبادَ فهل لمنخلقوه عطفٌ عندهم وذِمامُ

ما كان ضرّهمُ وهم من هاشمٍلو أنّهم مثلَ الجدودِ كرامُ

لكنها الأخلاقُ أرزاقٌ بهايجري القضاءُ وتُقْدرُ الأقسامُ


ياقومُ هبوا للكفاح وناضلواإنّ المنامَ عن الذمامِ حرامُ

تستسلمون إلى قُساةٍ ما لهمخُلُقٌ ولا شرعٌ ولا أحكامُ

لن يبرح الطغيانُ ذئباً ضارياًمادام يعرفُ أنكم أغنامُ

فتكلموا كيما يُصدِّقَ أنكمبشرٌ، ويشعرَ أنهُ ظَلّامُ

وتحركوا كي لا يظنَّ بأنكمموتى، ويحسبَ أنكم أصنامُ

طار الورى متسابقين وما لَكمفي السَّبْقِ أجنحةٌ ولا أَقدامُ

إن لم تطيروا في السماء فكيف لمتمشوا، وتمشي الشاءُ والأنعامُ

ومذبذبين تَلَوُّناً وتردُّداًلعنتهمُ الحسناتُ والآثامُ

قلنا: ارفعوا الأسواطَ عن أجسادكمقالوا: لنا لَوْمُ الإمامِ أثامُ

تالله ما بهم الإمامُ وإنماولعوا بسوطِ المستبدِّ وهاموا

باعوا الضمائرَ للمهانةِ مثلماتبتاعُ للحِملِ الثقيلِ سوامُ

وإذا ثوَت بين الضلوعِ بهائمٌقَوِيَتْ على حَمْل العصا الأجسامُ

يتطاولون إلى شؤون ما لهمعِلْمٌ بمعناها ولا إلمامُ

لا يحسبون الدينَ إلا أنهُعند الأميرِ دراهمٌ وطعامُ

كتبوا وما هذا الذي بمقالهمإلا وباء في النُّهى وسقامُ

ساموا الصحائفَ أن تنوءَ بجيفةٍنفحت فظنوا أنها إلهامُ

يتشدقون فتسخرُ الفصحى بهمويحرّرون فتضحكُ الأقلامُ

تالله ما عزَّ امرؤٌ ودعاتُهُنفرٌ كأشباحِ الظلامِ طغامُ

يعفون عن طغيانِهِ وبلادُهمتلحى على أنّاتِها وتُلامُ!

ويقدسون خناجراً فتحت لهاجرحاً بقلب الشعب لا يلتامُ

سيُحاسَبون فقد دنا لحسابهميومٌ يسُوءُ الخائنين ظلامُ

وسيندمُ المتزلفون ندامةَ الــوثنيِّ يومَ تُحَطّمُ الأصنامُ

  • إشارة الى “سيوف الإسلام” وهو الوصف الذي كان يطلق على أنجال الإمام الطاغية.
  • القصيدة قيلت في منتصف أربعينيات القرن الماضي وكان لها تأثير كبير في إيقاظ الكثير من النائمين، وتعتبر دليلا منهجيا لدراسة أساليب الإمامة ونفسيات الأئمة، كما تعد نموذجا في الأدب التثويري الرفيع.