مصطفى محمود
ليس فعلًا بطوليًا، بل طبيعي، لكن في بلدٍ يسير على رأسه، يصبح الطبيعي بطولة.
إحالة ملفات الفساد إلى الرقابة والمحاسبة ليست حدثًا استثنائيًا، بل أمرٌ يُفترض أن يكون جزءًا من يوميات الدولة. لكن في اليمن، خطوة كهذه تلفت الانتباه، ليس لعظمتها، بل لأنها مغامرةٌ يخشى أي مسؤول يمني أن يخوضها، مهما كان نزيهًا.
نحن في بلدٍ يُنظر فيه إلى الإصلاح كاستثناء، ويُحتفى به كما لو كان معجزة.خطوة المحافظ نبيل شمسان ليست ثورة، لكنها في هذا السياق المعطوب قالت أمرًا جوهريًا: إن الدولة اليمنية حين تصحو، فإنها تصحو من تعز، لتذكّر اليمنيين أن غيبوبة دولتهم ليست قدرًا نهائيًا.
في بلادٍ تكرر فيها الإدارات ذاتها، وتُعاد إنتاج الأوامر بلا تفكير، وتحيا التقارير دون أن تُقرأ، ويتناوب الموظفون على تجميد الزمن، فإن الفعل البسيط يُصبح كسرًا لدوائر الركود.أن يمسك أحدهم ورقة، يحرر مذكرة، يضع توقيعًا… هذا وحده يكفي ليكون فعلًا ضد التيار.
ليس لأنه يستهدف أشخاصًا، بل لأنه يواجه عادة مترسخة:فكرة أن السلطة في بلادنا ليست لحماية الناس، بل لرعاية شبكات المصالح المتشابكة.
متى صار النُبل خطرًا؟في أوطاننا، الفاسد آمن، والمصلح هو من يخشى أن يُتهم، ويُطارد، ويُحاسب.في زمنٍ انقلبت فيه القيم، يصبح من يحارب الفساد هدفًا للتشويه، وربما للاستئصال، بينما يُوصَف من يغطيه بأنه "عاقل"، "يحسن إدارة الأمور"، ويمضي آمنًا دون مساس.
يُنظر إلى النزاهة كما لو كانت شذوذًا عن المنظومة، وكأنها ليست من صلب الوظيفة بل طارئٌ غريبٌ يدعو إلى الريبة.لهذا، ما فعله المحافظ شمسان ليس مجرد إجراء إداري، بل موقفٌ يكسر الصمت:إعلان بأن النزاهة ليست تهورًا، وأن السكوت ليس حكمة.
ما نحتاجه ليس مسؤولًا يُكثر الحديث، بل مسؤولًا يُقرن اسمه بالفعل ويتحمل تبعاته.وهذا ما فعله نبيل شمسان.بهذا، أخرج منصبه من طقوسه الميتة، وأعاده إلى معناه الأصلي: أن يكون في الموقع لا ليحتمي، بل ليحاسب.
هذه الخطوة ليست عظيمة، لكنها ضرورية، ولهذا تستحق الإشادة.أشد ما يفضح الانهيار أن تُصبح البديهيات مثارَ احتفاء، وكأننا نشهد إنجازًا خارقًا حين تُحال ملفات فاسدين للتحقيق.لكن لا بأس…في زمن الخراب، علينا أن نحتفي بكل ضوء.ليس لأن الضوء وحده عظيم، بل لأن الظلام امتد أطول مما ينبغي.
الاستثناء لا يُصنع في المؤتمرات، بل في التفاصيل.والتفاصيل تبدأ دائمًا من ورقة… فيها توقيعٌ نظيف.