في رحلة إنسانية ملهمة عنوانها الإصرار والتجدد، سطّرت الشابة اللبنانية ريم إدريس مساراً استثنائياً في بلاد الاغتراب؛ إذ انتقلت من دراسة الفنون والمسرح إلى مقعد القيادة في شبكة السكك الحديدية الفرنسية، لتصبح أول فتاة لبنانية وعربية تتولى هذه المسؤولية الدقيقة والفريدة وتجوب قطارات باريس بمهارة وثقة.
نشأت ريم، ابنة بلدة الخيام الجنوبية، في كنف عائلة تعشق الموسيقى والإبداع، مما غرس فيها حب الفن منذ الصغر ودفعها عام 2020 إلى السفر نحو العاصمة الفرنسية لمتابعة دراساتها العليا في مجالي المسرح والسينما. غير أن رياح الغربة ومتطلبات البحث عن استقرار مهني مستدام دفعاها لإعادة ترتيب أولوياتها؛ ومن رحم تنقلاتها اليومية بالقطار بين سكنها وجامعتها، وُلد الفضول ليتحول سريعاً إلى قرار شجاع بالانخراط في تدريب شاق استمر عاماً كاملاً، استوعبت خلاله كماً هائلاً من المعارف والمهارات التقنية التي تتطلب أعلى درجات اليقظة والانضباط.
اليوم، تجلس ريم وحيدة داخل قمرة القيادة لتنطلق من محطات باريس في رحلات يومية تمتد لنحو ست ساعات، متحمّلة مسؤولية سلامة آلاف الركاب الذين يصل عددهم إلى نحو 2500 شخص في أوقات الذروة. وتوضح الشابة أن قيادة القطار لا تعني فقط التحكم في مساره، بل تقتضي البقاء في حالة تركيز دائم والتزاماً مطلقاً بإشارات الأمان وتغيرات السكة، لافتة إلى أن خصوصية تجربتها تنبع من كونها شابة عربية استطاعت إثبات جدارتها في ميدان يتزايد فيه حضور النساء تدريجياً داخل فرنسا.
لا ترى ريم في إنجازها الحالي نهاية الطموح، بل تعتبره محطة انطلاق نحو آفاق أوسع، متطلعة في المستقبل لقيادة القطارات الفائقة السرعة "تي جي في"، أو خوض تجربة التدريب ونقل خبراتها إلى الكوادر الجديدة. ورغم تسارع إيقاع الحياة وضجيج المحطات الباريسية، تؤكد ريم أن وطنها الأم لا يغيب عن وجدانها أبداً، مهدية كل نجاح تحصده إلى عائلتها وكل من آمن بقدراتها، وإلى لبنان الذي تحمله فخراً وأملاً في كل رحلة تقودها.