كيانات يمنية وهمية تعيد إنتاج الفشل

كيانات يمنية وهمية تعيد إنتاج الفشل

معين برس - منذ سنة

سراج اليماني

في المشهد اليمني المأزوم، لا تكاد تمر فترة إلا ويُعلن عن ولادة كيان سياسي أو تكتل جديد، غالباً ما يُقدَّم على أنه مشروع وطني مناهض لمليشيا الحوثي، ومحاولة لاستعادة الدولة و"الشرعية"، أو طرح بدائل عنها، غير أن هذه الكيانات لا ترى النور فعلياً، وتبقى حبيسة البيانات التأسيسية، قبل أن تتوارى تدريجياً في ظلال الفشل والغياب، وربما تتحوّل لاحقاً إلى عبء إضافي على القضية اليمنية ذاتها.

الغريب أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على الداخل اليمني، بل امتدت إلى العواصم الإقليمية والدولية، من إسطنبول إلى القاهرة، ومن الرياض إلى أبوظبي وغيرها، حيث تُولد هذه التكتلات تحت رعاية أو مباركة "دول شقيقة وصديقة"، سرعان ما تنفضّ عنها اليد لإدراك الرعاة أو الداعمين لها أنها مجرد منصات وهمية لمشاريع شخصية أو مصالح ضيقة، ولكنه يتم استخدامها كالطبول لاحداث ضجّة لحظية.

ما يجمع هذه التشكيلات على اختلاف أسمائها وخطاباتها، هو افتقارها إلى العمق الشعبي والمشروع السياسي الواقعي. فغالباً ما تُصاغ أدبياتها من عبارات عامة فضفاضة، تتحدث عن استعادة الدولة أو مواجهة الانقلاب، لكنها لا تقدّم رؤية متماسكة أو خطة قابلة للتطبيق.

الأسوأ أن كثيراً من رموز هذه التكتلات هم من النخب التي عجزت سابقاً في مواقع المسؤولية، أو ممن ارتبطوا بملفات فساد أو تقلبات سياسية حادة، مما يفقدهم الثقة الشعبية والمصداقية السياسية.

واقع الأمر أن كثيراً من هذه الكيانات أن لم يكن جميعها حقيقة، ليست سوى أدوات لغايات شخصية، يسعى من خلالها البعض إلى الحصول على تمويل، أو حجز مقعد في طاولة المفاوضات، أو مجرد الظهور الإعلامي والسياسي. فالسوق السياسية اليمنية في الخارج باتت، للأسف، ساحة للمزايدة، حيث تُمنح الصفات والألقاب وتُمنح الميزانيات الصغيرة، لكل من يرفع شعار "ضد الحوثي" دون حاجة إلى إثبات أو إنجاز.

وقد تأثرت بعض هذه المبادرات بتجارب مشابهة في بلدان أخرى، كما هو الحال في تركيا التي شهدت ولادة كيانات مماثلة من معارضات مغتربة تدّعي تمثيل الداخل، لكنها سرعان ما انكشفت على حقيقتها، إما كأدوات في الصراع الإقليمي أو كأوعية فارغة للتربّح السياسي.واليمن ليست استثناءً من هذا النمط، بل ربما حالة أكثر هشاشة نظراً لتعقيد الأزمة وطول أمد الحرب وتعدد اللاعبين فيها.

الخطير في هذه الكيانات أنها لا تسهم في حل الأزمة، بل تعمّق الانقسام وتشوّش المشهد وتضعف الموقف الوطني أمام المجتمع الدولي. فبدلاً من توحيد الجهود خلف مشروع جامع، تتوالى المبادرات الانفرادية، وتتعدد المسميات، ويتنازع "الممثلون" على منبر لم يعد له مستمع. وهذا ما تستفيد منه المليشيا الحوثية التي لا تجد صعوبة في تصوير معارضيها كمجموعة شتات لا يملك رؤية ولا قيادة.

المطلوب اليوم ليس تشكيل مزيد من الكيانات الورقية، بل تقييم صادق وجريء لحالة التشرذم، والبحث عن آلية وطنية جامعة تحترم التعدد ولكنها تتأسس على وضوح الهدف، ونزاهة القائمين، ومشاركة القوى الحقيقية على الأرض، سياسية وعسكرية واجتماعية، لا مجرد رموز الاغتراب أو النفعية السياسية.

فالقضية اليمنية لا تحتاج مزيداً من "الدكاكين السياسية"، بل تحتاج مشروعاً وطنياً جاداً، بأدوات جديدة، وأشخاص يؤمنون بالقضية لا بأنفسهم فقط.