حين يخاف الطغاة من الكلمة… يهاجمون الفنان قبل الجائع

حين يخاف الطغاة من الكلمة… يهاجمون الفنان قبل الجائع

معين برس - منذ 11 شهر

شايع الحميري

في كل مرحلة من تاريخ العبث الذي تصنعه جماعة الحوثي، يظهر وجه جديد من وجوه القبح، ويمتدّ ظل آخر من ظلال الخداع، لكن المضمون واحد: إسكات اليمني الذي يصرخ من الوجع، وتخوين اليمني الذي يحلم بالحياة. واليوم، يطل أحمد مطهر الشامي، أحد أبواق الدعاية الحوثية، ليقود حملة مسعورة ضد المؤثرين والفنانين والناشطين اليمنيين، متهمًا إياهم بالعمالة والتآمر مع السعودية لمجرد أنهم تحدثوا عن الجوع وانقطاع المرتبات وسوء الحال في مناطق سيطرة الحوثيين.هذه ليست سوى مسرحية دعائية بائسة يُراد منها قلب الحقيقة وتشويهها، فبدل أن يعترف الحوثي بأنه السبب المباشر في تدمير الدولة ونهب مواردها وتجويع شعبها، يحاول أن يحمّل الضحية مسؤولية جراحها، ويصوّر كل صوتٍ حرّ بأنه طعنة في خاصرته، مع أن الحقيقة تقول إن هذا الصوت هو النبض الأخير للوطن الذي يحتضر.الشامي لم ولن يتحدث بلغة من يخاف على اليمن، بل بلغة من يخاف من اليمنيين أنفسهم، من وعيهم المتزايد، من تذمرهم الذي بدأ يتشكل في ألسنة العامة بعد أن كان حكرًا على النخب. يدرك الرجل أن الخطر الحقيقي على الجماعة ليس في قنابل الخارج، بل في وعي الداخل، في المواطن الذي يسأل: “إلى أين مضت رواتبنا؟ وأين ذهبت أموال الجمارك والزكاة والجبايات؟ ولماذا يعيش قادة الجماعة في القصور بينما الناس يبحثون عن كسرة الخبز؟”وهنا يلجأ الحوثي إلى سلاحه المفضل: التحريض والتخوين والتشهير.فهو يعرف أن إسكات الكلمة يحتاج إلى تهمة، وأن قتل المعنى يتطلب تشويهًا أولًا.وقد رأينا سابقًا تشويههم لأبطال الثورات اليمنية من علي ابن الفضل امتدادًا لنور بنت العفيف للثلايا، والقارئ تاريخ الكهنة، يدرك تمام الإدراك أنها أفعالهم، واساليبهم لن تتغير ولن تتبدل، ولهذا رأينا كيف صُبَّت حملات الكراهية على أحد رجال الأعمال في صنعاء، وتحريض الناس على مقاطعة منتجاته الوطنية، وغيره من المؤثرين،فقط لأنه تكلم عن الوضع المعيشي وانتقد الجوع الذي يعصف بالناس، فاتهموه بالزندقة والعمالة، وأطلقوا حملات لمقاطعة منتجاته الوطنية، كأن الوطنية في منطقهم تقاس بمقدار الصمت على الفساد لا بصدق الولاء للوطن،وعندما نتحدث عن الوطنية، هي كلمة كفر في كتبهم وعقيدتهم، فهم كي تكون مواطنًا صالحًا، لابد وأن تتأدب في حضرة أصحاب الدم النقي ولابد أن تركع، وأن ترضى بقضاء الله كما قالها المحطوري، أحد اعلامهم،هذا الأسلوب ليس جديدًا على الحوثي؛ فمنذ أن سيطر على صنعاء وهو يشن حربًا شعواء على الفن والثقافة والهوية اليمنية، لأن الفن في فلسفتهم خطيئة، والهوية خطرٌ على مشروعهم المستورد، والناشط المستقل كابوسٌ يؤرق سلطتهم القائمة على التجهيل.بعد أن أغلقوا المسارح، وحاربوا الموسيقى، ومنعوا المهرجانات، وكمموا الأفواه في الجامعات والمدارس، بل حتى في المقاهي والحواري، كأنهم يخشون أن يغني اليمني لنفسه، أو أن يتذكر أنه كان يومًا صاحب حضارة وصوت وشمس.في زمن الحوثي، تحوّل الفن إلى جريمة، والكلمة إلى تهديد، والاختلاف إلى كفر. ليس لأن الفن خطر في ذاته، إنما لأنه يوقظ الذاكرة اليمنية التي تحاول الجماعة طمسها. الفن في اليمن لم يكن ترفًا، بل كان مرآة الهوية، لغة الناس حين يسكت الكلام، والحوثي يعرف أن الهوية الحقيقية لا تتسع لفكره المذهبي، لذلك يسعى لتبديلها بهوية طائفية ضيقة، ترفع السلاح بدل القلم، وتقدّس الموت بدل الحياة.وكلما ازدادت عزلة الحوثي وفشله في إدارة مناطق سيطرته، ازداد توتره من كل صوتٍ صادقٍ يعبّر عن الواقع. ولهذا بدأ يرسل أمثال الشامي ليمارسوا دور “الشرطي الأخلاقي” في فضاء الإنترنت، يطاردون المغردين والمؤثرين، ويتهمون كل من ينتقدهم بأنه عميلٌ أو مدفوع من الخارج، بينما الحقيقة أن الخارج لم يفعل باليمن ما فعله الداخل. إنّ جماعة الحوثي هي التي دمرت الاقتصاد، ونهبت البنك المركزي، وصادرت رواتب الموظفين، وفرضت الجبايات على التجار، وأغرقت الشعب في دوامةٍ من الفقر والحاجة.وهناك نقطة مهمة أريد تذكيرك بها عزيزي القارئ، عندما نتحدث عن الحوثي، والكهنوت الهاشمي بشكل عام، تذكر أنه ليس من نسيج هذا المحتمع، وتذكر أنه غازٍ ومحتل، منذ الف ومائتي عام، توارث أجدادنا قتالهم، ومقاومتهم، قضيتنا مع الحوثي ليست صراع حزب يولا طائفي، ولا مناطقي، صراعنا هو صراع الهوية والهوية، صراع الحضارة والبربرية، هو صراع المواطن والمستوطن.عندما نتحدث عن جماعة كهاته، او عندما نتلقى منهم، لابد وأن نستمر في الإدراك أنهم غزاة، ومحتلون، وليسوا انقلابيون، فهذه مصطلحات تم التلاعب بها منذ القدم.وأيضا عزيزي القيل لتعلم أن أخطر ما في خطاب الشامي أنه يحاول تطبيع فكرة الخوف، أن يجعل الناس يقبلون الجوع باعتباره قدَرًا مقدسًا لا يجوز الاعتراض عليه، وهذا ما تقوم عليه عقيدتهم وليس رأي الشامي لوحده، وأن يزرع فيهم شعور الذنب إن تجرأوا على المطالبة بحقوقهم، تمامًا كما فعل الطغاة عبر التاريخ حين جعلوا من الشكوى كفر وطغيان ومن المطالبة بالعدالة خروجًا على “الإمام”.بهذا الخطاب الخادع، يريد الحوثي أن يربّي جيلًا مشوّهًا، يرى في الطاعة صكّ نجاة، وفي السؤال خطيئة.غير أن الوعي لا ولن ولم ينتهي، ولو تراكم عليه ركام من الأكاذيب.فالناس بدأت تدرك أن الجوع الذي يعيشونه ليس مؤامرة سعودية ولا حصارًا خارجيًا، بل نتيجة مباشرة لنهب الحوثي المنظم للثروات واحتكاره للمؤسسات وتحويل موارد البلاد إلى آلة حربٍ تخدم مشاريعه. بدأ الناس يرون المفارقة المضحكة: من يتحدث عن المقاومة يعيش في بحبوحة، ومن يُتّهم بالعمالة ينام على فراش الفقر.إن الشامي، في خطابه المتهافت، لا يمثل سوى صوت جماعة مفلسة أخلاقيًا وسياسيًا، جماعة انحصرت وتوترت عندما انتهت الأعذار، جماعة الحوثي تبحث عن أكذوبة جديدة للتنصل من مسؤولياتها بعد إنتهاء حرب غزة، هي جماعة منهزمة لم يعد لها ما تبيعه سوى الشعارات. لقد انكشفت اللعبة، وبات الشعب يرى الحقيقة بوضوحٍ قاسٍ: أن العدو الحقيقي ليس من وراء الحدود، بل من ينهب لقمة أطفاله باسم الدين والوطن.ولذلك فإن استهداف الفنانين والناشطين اليوم ليس عارضًا، بل هو محاولة يائسة لقطع الشريان الأخير الذي يربط الناس ببعضهم: الكلمة والصوت والفن. لأن الكلمة حين تنتشر تسقط جدران الخوف، ولأن الفن حين يغني يعيد للناس ذاكرتهم وللوطن لونه، ولأن الصوت الحرّ هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الديكتاتوريات مصادرته مهما بلغت سطوتها.وهكذا، حين يتحدث العكفي، فهو لا يهاجم المؤثرين فقط، بل يهاجم صوت الوعي ذاته، يهاجم ضمير اليمني الذي تعب من الكذب، وذاكرته التي لم تعد تحتمل الطمس، وقلبه الذي ما زال يؤمن أن الوطن ليس مجرد شعارات جوفاء ، بل خبزٌ وعدلٌ وكرامة.وفي النهاية، لن تنفعهم المسرحيات ولا البيانات، لأن الحقيقة صارت أوضح من كل ضوضائهم: أن الحوثي هو من أكل خبز الناس، وسرق أصواتهم، وأراد أن يبيع لهم الجوع باسم الإيمان، لكنه نسي أن الأوطان لا تُحكم بالخوف إلى الأبد، وأن الجياع لا ينامون إلى الأبد، وأن الكلمة الحرة حين تُكبت، تولد من رمادها ألف كلمةٍ أجرأ وأقسى وأصدق.