عبود الحربي
عنوان هذا المقال ليس عملا إنشائيا ولكنه حديث صحيح، ورد عن رسول الله صل الله عليه وسلم، والنص واضح ومعناه، ذم المداحين الذين يكثرون من المديح للناس، بدون حق- اي لمجرد المصلحة-، ولذلك يروي احد التابعين، وهو همام بن الحارث النخعي، أن رجلا كان يمدح خليفة رسول الله صل الله عليه وسلم، عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأخذ المقداد بن عمرو رضي الله عنه التراب من الأرض، ووضعه في وجه الرجل المادح، فسأله عثمان بن عفان رضي الله عنه عن فعله هذا…!، فكان رد المقداد وإستدلالاه على فعله هذا، حديث رسول الله صل الله عليه وسلم،: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب"، وقد كانت طائفة من المسلمين يأخذون بظاهر الحديث، ويحثون التراب حقيقية في وجوه المداحين، فيما كان البعض الأخر من المسلمين، يستنكرون مدح الرجل للرجل، لكون هذا الفعل تزكية للنفس، وهذا مخالف لقول الله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن إتقى}،
والمدح نوعان، مذموم ومحمود، والمدح المذموم هو المدح بالباطل للأخرين، كما هو حاصل اليوم عند الكثير من الناس، والمدح المحمود هو الذي يكون حقيقة، وفيه مصلحة شرعية، ولذلك ورد عن الرسول صل الله عليه وسلم قوله،: "من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل، أحسب فلانا والله حسيبه، ولا أزكي على الله احدا، احسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" متفق عليه، الشيء الذي يجب أن يدركه الجميع، أن للمديح الزائف سلبيات عديدة لعل أهمها، انتشار الكذب، والنفاق، وعدم المصداقية، وفيه إعانة للظالم على ظلمه وفساده، إلى جانب إحياء الشعور بالكبر، والغرور، والعجب بالنفس عند الممدوح، وهذه من الأمور المنهية عنها في الإسلام، ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله،: "من دعا لظالم بالبقاء فقد احب ان يعصى الله"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله،: "لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء"، ولذلك كان السلف الصالح يذمون المبالغة في المدح والثناء، وكانوا يقولون إذا مدحهم، واثنى عليهم الناس، "اللهم أغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيرا مما يظنون"،.
المؤسف اليوم أن الكثير من "المداحين" يمدحون الأخرين، بالكذب، والخداع، ومما ليس فيهم من الصفات، خصوصا للمسؤولين والقادة وغيرهم، وهم يعلمون علم اليقين انهم يكذبون، وأن كلامهم لا يعدوا كونه مجاملة، وليس حقيقة، والمضحك في الموضوع تصديق ذلك من قبل "الممدوحيين"، وتفاعلهم، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على الشعور بالنقص والجهل والغباء، ولكن يقال إذا عرف السبب بطل العجب، حيث أن السبب هو إدراك الممدوحين، وعلمهم مسبقا، أنهم فاشلون، وصفرا من الأصفار، وليس لديهم شخصية قوية حقيقية، ولا إنجازات عملية على أرض الواقع، فيصدقون جمل الإطراء والثناء الإنشائية من أجل التغطية، على حقيقة فشلهم وضعفهم، ومحاولة منهم الظهور أمام الأخرين، بمظهر الأبطال الواثقون من أنفسهم، ومما يزيد الطين بله، أن البعض يدفع الأموال لأجل البروباجندا، والوهم والسراب،
من المهم ايضا هنا التفريق بين المدح المذموم، والمدح المحمود، الذي لا يسمى مدحا، ولكنه شكرا وشهادة وقول للحقيقة، ومن إنزال الناس منازلهم، وهو من الخير والتشجيع على الأخلاق الطيبة، وبيان فضل الأخرين، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، وهناك قاعدة تقول،: " إمدح ولا تبالغ، وإن كان حقا" حيث وأن المبالغة الشديدة تمرض القلب، وتثير الفتنة، وإحتقار الأخرين للمادح، قال صل الله عليه وسلم،: "إياكم والتمادح، فإنه الذبح" وقال الإمام النووي رحمه الله: "النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه، إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك، لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه، إذا لم يكن فيه مجازفة"،.