مصطفى محمود *
تدشين المرحلة الثانية من مشروع تطوير ميناء عدن، بشقيه في المعلا والحاويات. يوم الاحد المواف26/4/2026 م ـ هو دليل على ان هناك شي يتغيير لايشعر به الكثيرين، تغيير هادئ يقوده رئيس الحكومةشائع الزنداني الرجل الذي يرى أقصر الطرق الموصله إلى برالامان لا تكون بالضرورة عبر أكثرها ضجيجا بل عبر أكثرها تجذيرا في الاقتصاد الحقيقي حيث يكتب النجاح بلغة الأرقام والحاويات لا بلغة الخطابات والضجيج.
فالتطورات الككبيره في البنى التحتية لا تقرأ فقط بمنطق المشاريع الخدمية بل بمنطق إعادة تعريف مسار الحكومه وحين يدشن تطوير المرحلة الثانية من ميناء عدن فإن ما يحدث ليس مجرد توسعة أرصفة أو تحسين مداخل بل إعادة تموضع للمركز الاقتصادي في خريطة مزقتها الفوضى.الميناء ليس نقطة عبور بل هو نقطة جذب تنتج حولها أنماطا كاملة من الحياة الاقتصادية والأمنية والسياسية والهدف غير المعلن خلف تطوير ميناء عدن لا يتوقف عند تقليل زمن بقاء السفن أو خفض تكاليف الشحن فهذه مجرد مخرجات تشغيلية أما الغاية الأعمق فهي خلق نواة صلبة للدولة في أكثر مناطقها هشاشة بحيث يصبح الميناء هو الركيزة التي تبنى حولها شرعية الحكومه بالأداء لا بالخطاب. تأمل تنظيم حركة الشاحنات وتطوير المداخل فهو ليس مجرد تحسين لوجستي بل تفكيك لمنظومة ابتزاز كاملة كانت تدار خارج إطار الدولة وكل دقيقة تختصر من زمن الانتظار هي ضربة لاقتصاد الابتزاز الصغير الذي كان يغذي مراكز نفوذ خارج القانون وبكفاءة المناولة والشحن لا يقصد فقط تحسين الخدمة بل نقل مركز الثقل من الاقتصاد الموازي من التهريب والسوق السوداء للخدمات إلى الاقتصاد الرسمي الخاضع للمراقبة والإيرادات والغاية الحقيقية هي فرض هيبة الجذب الاقتصادي كبديل عن هيبة القوة وحدها.
هذا المشروع لا يفهم بمعزل عن كونه ثمىه نمط القرار عند رئيس الحكومة شائع الزنداني فهناك شخصيات سياسية تعرف نفسها بالصوت العالي والإطلالات المتكررة اكثر واكبر من الانجاز وهناك نمط آخر يعرف نفسه بالانجازات الحاسمه تترك أثرا ماديا ملموسا على الأرض وغالبا ما تكون بصمته صامتة والزنداني ينتمي للنمط الثاني. فالعبره ليس في حضوره التدشين بل في طبيعة الإنجاز ذاته فتطوير ميناء عدن بهذا الحجم وفي خضم عواصف كثيرة ومحاولات إفشال متعددة ومتكررة ليس ديناميكية بيروقراطية عادية إنه توجه يحمل في داخله فلسفة كاملة هي اختيار معركة البناء على معركة الاستنزاف وتوجيه الموارد الشحيحة نحو مشروع يضاعف قيمتها وهذا يتطلب تحليلا لنمط شخصيته فالكفاءة هنا لا تعني فقط الخبرة بل تعني الجرأة على إعطاء الأولوية لمشروع حيوي النتائج نسبيا على حساب مشاريع الاستعراض الآنية والنزاهة لا تعني فقط نظافة اليد بل نزاهة الرؤية أن ترى الميناء كبوابة لنهضة اليمن كله لا كمغلق لمدينة عدن وحدها إنه اختيار واع بأن تقاس الشرعية بعدد السفن الراسية لا بعدد التصريحات النارية.
عندما يتحول الميناء إلى نقطة أكثر كفاءة تحدث تحولات صامتة لكنها جذرية تتغير أولا معادلة الأمان الملاحي والتجاري فشركات التأمين العالمية لا تنظر إلى الشعارات بل إلى زمن دوران السفينة ومعدلات الفقد وتحسين هذه المؤشرات ينزل تصنيف المخاطر فتعود الخطوط الملاحية الكبرى تدريجيا وهذا أشد تأثيرا من أي بيان سياسي ثم تتشكل ثانيا سلطة مالية للدولة من بوابة الرسوم والخدمات بدلا من انتظار المعونات والمساعدات وهذه السلطة المالية الذاتية هي الأساس المادي الوحيد لأي قرار سيادي حقيقي ويتم ثالثا خلق بيئة طاردة لاقتصاد الحرب فالميناء الفعال يخلق وظائف لوجستية وفنية وإدارية تسحب البساط من تحت تجنيد العاطلين في اقتصاديات النزاع والنتيجة الضمنية هي عملية نزع سلاح اقتصادية بطيئة لكنها عميقة الأثر.
م26/4/2026كاتب واحث يمني، وعضو اتحاد الكتاب العرب